الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

261

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

معطوف على فِي الْمَهْدِ * لأنّه حال أيضا ، كقوله تعالى : دَعانا لِجَنْبِهِ أَوْ قاعِداً أَوْ قائِماً [ يونس : 12 ] . والمهد والكهل تقدّما في تفسير سورة آل عمران . وتكليمه كهلا أريد به الدعوة إلى الدين فهو من التأييد بروح القدس ، لأنّه الذي يلقي إلى عيسى ما يأمره اللّه بتبليغه . وقوله : وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ تقدّم القول في نظيره في سورة آل عمران ، وكذلك قوله وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ - إلى قوله - وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى بِإِذْنِي تقدّم القول في نظيره هنالك . إلّا أنّه قال هنا فَتَنْفُخُ فِيها وقال في سورة آل عمران [ 49 ] فَأَنْفُخُ فِيهِ . فعن مكّي بن أبي طالب أنّ الضمير في سورة آل عمران عاد إلى الطير ، والضمير في هذه السورة عاد إلى الهيئة . واختار ابن عطية أن يكون الضمير هنا عائدا إلى ما تقتضيه الآية ضرورة . أي بدلالة الاقتضاء . وذلك أنّ قوله : وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ يقتضي صورا أو أجساما أو أشكالا ، وكذلك الضمير المذكّر في سورة آل عمران [ 49 ] يعود على المخلوق الذي يقتضيه أَخْلُقُ . وجعله في « الكشاف » عائدا إلى الكاف باعتبار كونها صفة للفظ هيئة المحذوف الدّال عليه لفظ هيئة المدخول للكاف وكلّ ذلك ناظر إلى أنّ الهيئة لا تصلح لأن تكون متعلّق فَتَنْفُخُ ، إذ الهيئة معنى لا ينفخ فيها ولا تكون طائرا . وقرأ نافع وحده فتكون طائرا بالإفراد كما قرأ في سورة آل عمران . وتوجيهها هنا أنّ الضمير جرى على التأنيث فتعيّن أن يكون المراد وإذ تخلق ، أي تقدّر هيئة كهيئة الطير فتكون الهيئة طائرا ، أي كلّ هيئة تقدّرها تكون واحدا من الطير . وقرأ البقية « طيرا » - بصيغة اسم الجمع - باعتبار تعدّد ما يقدّره من هيئات كهيئة الطير . وقال هنا وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتى ولم يقل : وَأُحْيِ « 1 » الْمَوْتى ، كما قال في سورة آل عمران [ 49 ] ، أي تخرجهم من قبورهم أحياء ، فأطلق الإخراج وأريد به لازمه وهو الإحياء ، لأنّ الميّت وضع في القبر لأجل كونه ميّتا فكان إخراجه من القبر ملزوما الانعكاس السبب الذي لأجله وضع في القبر . وقد سمّى اللّه الإحياء خروجا في قوله : وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ [ ق : 11 ] وقال : إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ

--> ( 1 ) في المطبوعة : ( وتحيى ) وهو خطأ .